الشنقيطي

284

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حرام ، ولكن يقولوا إيّاكم كذا وكذا ، ولم أكن لأصنع هذا . انتهى . وقال الزّمخشريّ : واللّام في قوله لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ من التّعليل الّذي لا يتضمّن معنى الفرض اه . وكثير من العلماء يقولون : هي لام العاقبة . والبيانيّون يزعمون أنّ حرف التّعليل كالّلام إذا لم تقصد به علّة غائيّة ؛ كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [ القصص : 8 ] الآية ، وقوله هنا : لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أنّ في ذلك استعارة تبعيّة في معنى الحرف . قال مقيّده عفا اللّه عنه : بل كلّ ذلك من أساليب اللّغة العربية . فمن أساليبها : الإتيان بحرف التّعليل للدّلالة على العلّة الغائية ؛ كقوله : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [ الحديد : 25 ] الآية . ومن أساليبها الإتيان باللّام للدّلالة على ترتب أمر على أمر ؛ كترتب المعلول على علّته الغائيّة . وهذا الأخير كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ؛ لأن العلّة الغائيّة الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدوّا ، بل ليكون لهم قرّة عين ؛ كما قالت امرأة فرعون : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [ القصص : 9 ] ولكن لمّا كان كونه عدوّا لهم وحزنا يترتّب على التقاطهم له ؛ كترتّب المعلول على علّته الغائيّة - عبّر فيه باللّام الدّالّة على ترتيب المعلول على العلّة . وهذا أسلوب عربيّ ، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيّون في مثل هذا المبحث . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) [ 116 - 117 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : إنّ الّذين يفترون عليه الكذب - أي يختلقونه عليه - كدعواهم أنّه حرّم هذا وهو لم يحرّمه . ودعواهم له الشّركاء والأولاد - لا يفلحون ؛ لأنّهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعا قليلا لا أهميّة له ، وفي الآخرة يعذّبون العذاب العظيم ، الشّديد المؤلم . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في يونس : قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 69 ) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 70 ) [ يونس : 69 - 70 ] ، وقوله : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ( 24 ) [ لقمان : 24 ] ، وقوله : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) [ البقرة : 126 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر مبتدإ محذوف ؛ أي متاعهم في الدّنيا متاع قليل . وقال الزّمخشريّ : منفعتهم في الدّنيا متاع قليل . وقوله لا يُفْلِحُونَ أي لا ينالون الفلاح ، وهو يطلق على معنيين : أحدهما - الفوز بالمطلوب الأكبر . والثّاني - البقاء السّرمديّ ؛ كما تقدّم